Divider

من الخطرات

Divider

أحيانا يخطر لي أن أمسك القلم لأدون من خطرات عقلي و قلبي ما لم أتحدث به ، و لكن دوما أتردد بين الكتابة و الإحجام و لا ينتهي هذا التردد إلا بنبذ الفكرة كلها ، ربما كان هذا الإحجام خوفا من المواجهة : أن أواجه نفسي بأسرارها ، و ربما كان خوفا من العجز ، أن أعجز عن مصارحة نفسي بما أكره أن أراه فيها ، و ربما كان خوفا من النجاح نجاحي في أن أطرح من قلبي كل ما يعلق به و ما سيتبع هذا النجاح .

Snowflakes

و لن أعجب من كل هذا الخوف ؛ فما أمسكت القلم إلا لأتحدث عنه ، ذلك الرفيق الوفي الذي يتمسك برفقتي و لا يود فراقي .

بين يدي ذلك الرفيق أجد دنياي ، أجد في نفسي ما لم يعرفه أحد بل ما لم أعرفه أنا ، و لكن هل أجد بين يديه غير ليال قصار تمنيت فيها ألا أسمع أذان الفجر أو صياح الديكة تعلن بداية يوم جديد خوفا من غدٍ تتداعى فيه مزيد من أحلامي و آمالي ، أم كانت ليال طوال تمنيت فيها رؤية نور الصباح خوفا من أمس تداعت فيه تلك الأحلام ، و هل وجدت بين يدي ذلك الرفيق إلا أناس أحبهم يمنعني عنهم خوفي رفضهم لي و أناس لا أحبهم منعني عنهم خوفي منهم .

و لا أخشى غير أن أجد بين يديه أصدقائي , و لكن من هم أصدقائي و هو الصديق الوحيد ، فليكن رفاقي ، زملائي و هل وجدت بين يديه غير أحاديث هؤلاء عن غائب أكبر ما أخشاه أن أكون هو ، و لن يكون هذا الخوف أكبر من خوفي معرفة كنه هذا الحديث ، فلست من الفضل بمكان ليدور عني حديث مدح في مجلس لست أحد حاضريه .

و هل وجدت بين يديه إلا أسرتي , و لكن كيف أجدها و هل أخاف منها أم أخاف عليها أم منها تعلمت الخوف و اتخذته رفيقا .

الخوف ... ماذا جنيت من هذا الرفيق غير الألم ، الألم من كل ما رأيته بين يديه ، الألم من رؤيته صديقي الوحيد .

يجب أن أتخلى عن هذا الرفيق أن أطرحه من قلبي ، أن أهرب منه ، و لعله قد قنع بما أفسد علي من حياتي ، أو قد يشفق على رفيقه الوفي الذي ما فارقه قط أيامه و لياليه ، في حزنه و فرحه ، أو قد يشغل عني بغيري ، لعله يجد في قارئ هذه الكلمات رفيقا خيرا مني , و ليتني أهتدي لرفيق خير منه ، لا شك أن أي رفيق سيكون خيرا منه .

لكن من ذاك يرضى بصحبتي ؟ و أنا الملول نادرا ما أرضى أو لا أرضى ، و أنا الغضوب نادرا ما أهدأ أو لا أهدأ ، لذا لا أومن أن الحب سيجد لي قرينا كما وجد لكثيرين و ربط بين قلوبهم بوشائجه بل لا أومن بأن الحب جمع بين القلوب و ربط بين أولئك و هؤلاء ، إنما الخوف ، حقا هو الخوف جمع بين الأفئدة ، الخوف من أن ينسى الناس اسمك فتقرنه بآخر ، الخوف من أن تتخلف عن الآخرين يدفعك أن تتشبث بأحدهم ، الخوف من خوض غمار الحياة بمفردك يدفعك لتبحث عن رفيق بدعوى الحب .

Snowflakes

أتراني الآن سعيدا بعد أن وجدت ظلال الخوف تظل الجميع ؟

أتراني سعيدا برفقة أولئك في إيواء هذا الضيف الثقيل ؟

أم ترانا حللنا بأرض لا تشرق عليها شمس الأمن ؟

Snowflakes

جرى قلمي على الورق مخلفا وراءه من الكلمات ما لم أتحدث به إلى صديق أو حبيب بل ما لم أتحدث به إلى نفسي ، و مع هذا أجده ممسكا بزمام فكري مالكا ناصية فؤادي مقتحما علي أحلامي لا أهرب منه إلا إليه . فوجدت نفسي أمسك القلم لأقيده بالكلمات على الأوراق و بين الأسطر و الصفحات ، قد أتخلص منه .

أتراني نجحت في الهرب منه ؟ أم أني هربت منه إليه ؟

أرى أني لم أصاحب في هربي إلا الخوف و كأني به يحدثني : ألا ابحث ، ابحث عن ذلك الحبيب ، الصديق ، الرفيق الذي تشعر بين أحضانه بدفء الأمن ، ابحث و لن تجد بين أحضانك سواي .

Snowflakes

شريف عبد المنعم فهيم أحمد زيدان

المحلة الكبرى / صيف 1995م

Snowflakes

عودة إلى الصفحة الرئيسية