خطبته واشتداد مرضه ووصيته خطب عليه الصلاة والسلام أصحابه في يوم الخميس قبل أن يموت بخمسة أيام خطبة عظيمة بين فيها فضل الصديق من سائر الصحابة ، مع ما قد كان نص عليه أن يؤم الصحابة أجمعين ، ولعل خطبته هذه كانت عوضا عما أراد أن يكتبه في الكتاب ، وقد اغتسل عليه الصلاة والسلام بين يدي هذه الخطبة العظيمة ، فصبوا عليه من سبع قرب لم تحلل أوكيتهن ، وهذا من باب الاستشفاء بعدد السبع كما وردت به الأحاديث والمقصود أنه ، صلى الله عليه وسلم ، اغتسل ثم خرج وصلى بالناس ثم خطبهم . قال جندب رضي الله عنه : سمعت رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، قبل أن يموت بخمس وهو يقول ( إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل ؛ فإن الله تعالى قد اتخذني خليلا، كما اتخذ إبراهيم خليلا ، ولو كنت متخذا من أمتي خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا ، ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد ، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد إني أنهاكم عن ذلك) ــ مسلم ــ وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال ( خطب النبي ، صلى الله عليه وسلم ، فقال ( إن الله خير عبدا بين أن يؤتيه من زهرة الدنيا ما شاء وبين ما عنده فاختار ما عند الله ) فبكى أبو بكر رضي الله عنه وقال : فديناك بآبائنا وأمهاتنا ، فعجبنا له ، وقال الناس : انظروا إلى هذا الشيخ يخبر رسول الله ،صلى الله عليه وسلم ، عن عبد خيره الله بين أن يؤتيه من زهرة ا لدنيا وبين ما عند الله ، وهو يقول : فديناك بآبائنا وأمهاتنا ، فكان رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، هو ـ العبد ـ المخير ، وكان أبو بكر أعلمنا . فقال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، ـ يا أبا بكر لا تبكي ـ إن من أمن الناس علي في صحبته وماله أبو بكر ، ولو كنت متخذا خليلا من أمتي لاتخذت أبا بكر ، ولكن أخوة الإسلام ، ومودته ، لا يبقين في المسجد باب إلا سد إلا باب أبي بكر ) ـ البخاري ـ وخلاصة القول : أن الدروس والفوائد والعبر في هذا المبحث كثيرة ومنها : 1) أمر النبي ، صلى الله عليه وسلم ، بسد الأبواب إلا باب أبي بكر من جملة الإشارات التي تدل على أنه هو الخليفة . 2) فضل أبي بكر رضي الله عنه وأنه أعلم الصحابة رضي الله عنهم ، ومن كان أرفع في الفهم استحق أن يطلق عليه أعلم ، وأنه أحب الصحابة إلى رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، 3) الترغيب في اختيار ما في الآخرة على ما في الدنيا ، وأن الرغبة في البقاء في الدنيا وقتا من الزمن إنما هي للرغبة في رفع الدرجات في الآخرة وذلك بالازدياد من الحسنات لرفع الدرجات . 4) شكر المحسن والتنويه بفضله وإحسانه والثناء عليه ؛ لأن من لم يشكر الناس لا يشكر الله تعالى . 5) التحذير من اتخاذ المساجد أو وضع الصور فيها ، ولعن من فعل ذلك ، وأنه من شرار الخلق عند الله كائنا من كان . 6) حب الصحابة لرسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، أكثر من النفس والولد والوالد والناس أجمعين ولهذا يفدونه بآبائهم وأمهاتهم . المبحث الثامن : اشتداد مرضه صلى الله عليه وسلم ووصيته في تلك الشدة عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، كان إذا اشتكى يقرأ على نفسه بالمعوذات وينفث ،فلما اشتد وجعه ـ الذي توفي فيه ـ كنت أقرأ ـ وفي رواية أنفث ـ أنفث عليه بهن وأمسح بيده نفسه رجاء بركتها ) قال ابن شهاب : ينفث على يديه ثم يمسح بهما وجهه . وفي صحيح مسلم قالت : ( كان رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، إذا مرض أحد من أهله نفث عليه بالمعوذات فلما مرض مرضه الذي مات فيه جعلت أنفث عليه وأمسحه بيد نفسه ؛ لأنها كانت أعظم بركة من يدي ) ـ رواه مسلم ـ وعن عائشة رضي الله عنها قالت : اجتمع نساء النبي ،صلى الله عليه وسلم ، فلم يغادر منهن امرأة فجاءت فاطمة تمشي كأن مشيتها مشية رسول الله ،صلى الله عليه وسلم ، فقال (مرحبا بابنتي ) فأجلسها عن يمينه أو عن شماله ، ثم إنه أسر إليها حديثا فبكت فاطمة . ثم إنه سارها فضحكت أيضا ، فقلت لها ما يبكيك ؟ فقالت ما كنت لأفشي سر رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، فقلت : ما رأيت كاليوم فرحا أقرب من حزن ، فقلت حين بكت أخصك رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، بحديثه دوننا ثم تبكين ؟ وسألتها عما قال : فقالت : ما كنت لأفشي سر رسول الله ،صلى الله عليه وسلم ، فلما توفي رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، قلت عزمت عليك بمالي عليك من الحق لما حدثتيني ما قال لك رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ،؟ فقالت : أما الآن فنعم : أما حين سارني يفي المرة الأولى فأخبرني أن جبريل كان يعارضه القرآن كل عام مرة وإنه عارضه به في العام مرتين ولا أراني إلا قد حضر أجلي فاتقي الله واصبري فإنه نعم السلف أنا لك ، قالت : فبكيت بكائي الذي رأيت ، فلما رأى جزعي سارني الثانية فقال : ( يا فاطمة أما ترضين أن تكوني سيدة نساء المؤمنين ،ن أو سيدة نساء هذه الأمة ؟) قالت فضحكت ضحكي الذي رأيت ) ـ البخاري . وفي رواية : (فأخبرني أني أول من يتبعه من أهله فضحكت) ـ البخاري ـ. وسبب ضحكها رضي الله عنها أنها سيدة نساء المؤمنين ، وأول من يلحق به من أهله ، وسبب البكاء أنه أخبرها بموته ، صلى الله عليه وسلم ، قال ابن حجر رحمه الله تعالى : ) وروى النسائي في سبب الضحك الأمرين ) أي بشارتها بأنها سيدة نساء هذه الأمة ، وكونها أول من يلحق به من أهله . وقد اتفقوا على أن فاطمة رضي الله عنها أو من مات من أهل بيت النبي، صلى الله عليه وسلم ، بعده حتى من أزواجه . وعن عائشة رضي الله عنها قالت : ( ما رأيت أحدا أشد عليه الوجع من رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ،) رواه البخاري ، . وعن عبد ا لله بن مسعود رضي الله عنه قال : دخلت على رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، وهو يوعك فمسسته بيدي فقلت : يا رسول الله إنك توعك وعكا شديدا ، فقال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، ( أجل إني أوعك كما يوعك رجلان منكم ) قال : فقلت : ذلك أن لك أجرين . فقال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، ( أجل ذلك كذلك ما من مسلم يصيبه أذى من مرض فما سواه ـ شوكة فما فوقها ـ إلا حط الله بها سيئاته كما تحط الشجرة ورقها ) ـ رواه البخاري ـ . وعن عائشة وعبد الله بن عباس رضي الله عنهم : لما نزل برسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، طفق يطرح خميصه له على وجهه فإذا اغتم كشفها عن وجهه وهو كذلك يقول : ( لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ) يحذر ما صنعوا ـ رواه البخاري ـ وعن عائشة رضي الله عنها أنهم تذكروا عند رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، في مرضه فذكرت أم سلمة وأم حبيبة كنيسة رأينها في الحبشة فيها تصاوير ، فقال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، فقال رسول الله ،صلى الله عليه وسلم ، (إن أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بنوا علي قبره مسجدا وصوروا فيه تلك الصور ، أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة ) ـ رواه البخاري ومسلم ـ . وعن عائشة رضي الله عنها أيضا قالت : قال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، في مرضه الذي لم يقم منه : ( لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ) قالت : فلولا ذلك لأبرزوا قبره ، غير أني أخشى أن يتخذ مسجدا ) ـ رواه الشيخان ـ . وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ، صلى الله عليه وسلم ، أنه قال ( لا تجعلوا بيوتكم قبورا ، ولا تجعلوا قبري عيدا ، وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم ) رواه أبو داود .. وعن أنس رضي الله عنه قال : لما ثقل النبي ، صلى الله عليه وسلم ، جعل يتغشاه ، فقالت فاطمة رضي الله عنها : وا كرب أباه فقال لها ( ليس على أبيك كرب بعد اليوم ) فلما مات قالت : يا أبتاه أجاب ربا دعاه ، يا أبتاه من جنة الفردوس مأواه, يا أبتاه إلى جبريل ننعاه . فلما دفن قالت فاطمة رضي الله عنها : يا أنس ! أطابت نفوسكم أن تحثوا على رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، التراب ؟). وخلاصة القول : أن الدروس والفوائد والعبر في هذا المبحث كثيرة منها : 1) استحباب الرقية بالقرآن ، وبالأذكار ، وإنما جاءت الرقية بالمعوذات ، لأنها جامعة للاستعاذة من كل المكروهات جملة وتفصيلا ، ففيها الاستعاذة من شر ما خلق عز وجل ، فيدخل في ذلك كل شيء ، ومن شر النفاثات في العقد ، ومن شر السواحر ، ومن شر الحاسدين ، ومن شر الوسواس الخناس. 2) عناية النبي ، صلى الله عليه وسلم ، ببنته فاطمة ومحبته لها ؛ ولهذا قال : ( مرحبا بابنتي ) وقد جاءت الأخبار أنها كانت إذا دخلت عليه قام إليها وقبلها ، وأجلسها في مجلسه ، وإذا دخل عليها فعلت ذلك رضي الله عنها، فلما مرض دخلت عليه وأكبت عليه تقبله . 3) يؤخذ من قصة فاطمة رضي الله عنها أنه ينبغي العناية بالبنات ، والعطف علهن ، والإحسان إليهن ، ورحمتهن ، وتربيتهن التربية الإسلامية ، اقتداء بالنبي ، صلى الله عليه وسلم ، وأن يختار لها الزوج الصالح المناسب . 4) عناية الولد بالوالد كما فعلت فاطمة رضي الله عنها ، فيجب على الولد أن يحسن إلى والديه ، ويعتني بهما ، ولا يعقهما ، فيتعرض لعقوبة ا لله تعالى . 5) معجزة النبي ، صلى الله عليه وسلم ، التي تدل على صدقه وأنه رسول الله،صلى الله عليه وسلم،و ومن ذلك أنه أخبر أن فاطمة أول من يلحقه من أهله ، فكانت أول من مات من أهله بالاتفاق . 6) سرور أهل الإيمان بالانتقال إلى الآخرة ، وإيثارهم حب الآخرة على الدنيا لحبهم للقاء الله تعالى ، ولكنهم لا يتمنون الموت لضر نزل بهم ، لرغبتكم في الإكثار من الأعمال الصالحة،لأن الإنسان إذا مات انقطع عمله إلا من ثلاث كما بين النبي،صلى الله عليه وسلم، 7) المريض إذا قرب اجله ينبغي له أن يوصي أهله بالصبر لقوله ،صلى الله عليه وسلم، لفاطمة (فاتقي الله واصبري). 8) فضل فاطمة رضي الله عنها وأنها سيدة نساء المؤمنين. 9) المرض إذا احتسب المسلم ثوابه ، فإنه يكفر الخطايا ، ويرفع الدرجات ، وتزاد به الحسنات ، وذلك عام في الأسقام ، والأمراض ومصائب الدنيا ، وهمومها وإن قلت مشقتها ، والأنبياء عليهم الصلاة والسلام هم أشد الناس بلاء ، ثم الأمثل فالأمثل ، لأنهم مخصوصين بكمال الصبر والاحتساب ، ومعرفة أن ذلك نعمة من الله تعالى ليتم لهم الخير ويضاعف لهم الأجر ، ويظهر صبرهم ورضاهم ، ويلحق بالأنبياء الأمثل فالأمثل من أتباعهم ، لقربهم منهم وإن كانت درجتهم أقل ، والسر في ذلك والله أعلم أن البلاء في مقابلة النعمة ،فمن كانت نعمة الله عليه أكثر كان بلاؤه أشد ؛ ولهذا ضوعف حد الحر على حد العبد ، وقال الله تعالي ( ينساء النبي من يأت منكن بفحشة مبينة يضعف لها العذاب ضعفين ) ـ الأحزاب : 30. والقوي يحمل ما حمل ، والضعيف يرفق به ، إلا أنه كلما قويت المعرفة هان البلاء ، ومنهم من ينظر إلى أجر البلاء فيهون فيه البلاء ، وأعلى من ذلك من يرى أن هذا تصرف المالك في ملكه فيسلم ويرضى ولا يعترض . 10) التحذير من بناء المساجد على القبور ومن إدخال القبور والصور في المساجد، ولعن من فعل ذلك ، وأنه من شرار الخلق عند الله يوم القيامة ، وهذا من أعظم الوصايا التي أوصى بها رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، قبل موته بخمسة أيام.
|